أحمد بن ابراهيم النقشبندي
251
شرح الحكم الغوثية
الإرادة إقبال على الصلاة الحقيقية ، وتوجه للدخول إلى الحضرة العلية ، والتوبة بطهارة دنس المخالفات ، وتنظيف للقلب عن نجاسة الشرك وسائر المستقذرات ، فمن لم يحكم الطهارة ويتزين بفاخر ثيابها ، كيف يصح له الدخول إلى الصلاة الحقيقية ؟ وكيف يؤذن له بالولوج من أبوابها ؟ . فاغسل قلبك أيّها الأخ بمياه الاستغفار ، وترب تلك النجاسات بتراب الذلّة والانكسار ؛ لعلّك يؤذن لك بالدخول إلى حضرة العزيز الغفار ، وتنكشف لك لمعة من لمعات تلك الأنوار ، وتفوح لك شيمة من روائح تلك الورود والأزهار ، وتقطف بأنامل العرفان شيئا من فواكه تلك الثمار ، وتدخل قصور تلك المعارف ، وتدخل في حلل الوداد واللطائف ، واستعن على ذلك بالبعد عن مخالطة الأغيار ، وملازمة الخمول والبكاء على الخطيئة . 123 - والاعتكاف بالدار الخمول نعمة على العبد لو عرف شكره . إذ هو سبب للسلامة من الآفات ، وطريق موصل للسعادات ، لو عرف السالك قدره لشكر مولاه عليه ؛ حيث يسر له أسبابه ، وأقامه فيما يقتضي التوجّه إليه . قال عقبة بن عامر : فيما النجاة يا رسول اللّه ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « احفظ عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك « 1 » » ، فجعل صلى اللّه عليه وسلم واسطة عقد النجاة ملازمة البيت الذي هو عين الخمول ؛ وذلك لأن كلا من حفظ اللسان والبكاء على الخطيئة يكون به سهل الحصول .
--> - بخلاف ما إذا كان مقهورا في التوبة ، ولا يكون له قصد من النفس فيها فإنه حقا تاب اللّه عليه ، فلا يكون فاعلا لما هو طالبه ، بل هو فاعل لما هو مطلوب منه فيتم أمره ، ويثبت على توبته ولا ينقضها ، ويمكث فيها أبدا وهو موجب للمكث والخلود في الجنة قال اللّه : وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [ الكهف : 3 ، 2 ] . والأجر الحسن الجنة بدليل قوله : ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً [ الكهف : 3 ] . فانس أيها التائب قصدك وهوى نفسك ؛ لأنه تعالى أعرف بمصالحك من توبتك وعدم توبتك وغير ذلك من سائر الأفعال ، فلا تعمل إلا به ولا تريد إلا بإرادته ، والمقصود أن تفنى عنك وتبقى باللّه حتى تتقرب إلى اللّه . ( 1 ) تقدم تخريجه .